مجمع البحوث الاسلامية
434
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان : الحرص والأمل » « 1 » . الاستعمال القرآنيّ جاءت ماضيا مرّتين ، ومضارعا ووصفا ، وتفضيلا كلّ واحد مرّة ، وكلّها مدح إلّا واحدة في 5 آيات : 1 - وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . يوسف : 103 2 - إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ . . . النّحل : 37 3 - لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة : 128 4 - وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ . . . النّساء : 129 5 - وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ البقرة : 96 ويلاحظ أوّلا : أنّه على الرّغم من أنّ « الحرص » يعدّ صفة مذمومة عند النّاس - لأنّه غلب عندهم على جمع المال - إلّا أنّه جاء في القرآن مرّة واحدة في هذا المجال وصفا لليهود فقط في ( 5 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وسنجثه ، وجاء ثلاث مرّات مدحا للنّبيّ عليه السّلام في ( 1 - 3 ) ومرّة تشريعا في العدل بين النّساء في ( 4 ) . وثانيا : يستفاد من الثّلاث الأولى حرص النّبيّ عليه السّلام على إيمان النّاس ، وعلى هدايتهم ، وعلى المؤمنين بالذّات ، كما دلّت آيات على مكابدته وتحمّل المشاقّ في هدايتهم مثل طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى طه : 1 ، 2 ، وعلى أسفه من رفضهم الإيمان ، وعلى تسلّيه في ذلك بما جرى بين الأنبياء وأممهم ، مثل : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يس : 30 ، ومثلها كثير في القرآن . فحرص النّبيّ عليه السّلام على إيمان النّاس نشأ من إصرار اللّه على هدايته النّاس إلى الصّراط المستقيم النّاشئ عن كمال نعمته ، وتمام رحمته لهم . وثالثا : حرص النّبيّ عليه السّلام على إيمان النّاس وهدايتهم في ( 1 و 2 ) خاصّ ، ومفهوم ومشفوع . - مع الأسف - بالفشل على الأكثر والأغلب . أمّا حرصه عليهم في ( 3 ) فعامّ ، يشمل جميع أطوار حياتهم المادّيّة والمعنويّة ، وإن خصّه بعضهم بالإيمان أو بدخول الجنّة أو النّجاة من النّار ونحوها . ولكنّ الحقّ مناسقا لحذف المتعلّق هو العموم . قال الفخر الرّازيّ : « والحرص يمتنع أن يكون متعلّقا بذواتهم ، بل المراد : حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدّنيا والآخرة » . وقال مكارم : « قد أطلقت القول ، وقالت : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ فلم يرد حديث عن الهداية ، ولا عن أيّ شيء آخر ، وهي تشير إلى عشقه صلّى اللّه عليه وآله لكلّ خير وسعادة لكم ، ولكلّ تقدّم ورقيّ وسعادة » . وأمّا الطّباطبائيّ : فقد عمّ حرصه عليه السّلام على النّاس جميعا حيث الخطاب عامّ للنّاس ، فقال ج 9 : 411 : « وأنّه حريص عليكم جميعا من مؤمن أو غير مؤمن
--> ( 1 ) الخصال ( 1 : 37 ) ومسند أحمد ( 3 : 119 ) .